الفيض الكاشاني
82
أنوار الحكمة
عن الأشباه والأضداد منزّها ؛ كذب العادلون باللّه إذ شبّهوه بمثل أصنامهم ، وحلّوه حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزّءوه بتقدير منتج من خواطرهم ، وقدّروه على الخلق المختلفة القوى بقرائح عقولهم . وكيف يكون من لا يقدّر قدره مقدّرا في رويّات الأوهام ؟ وقد ضلّت في إدراك كنهه هواجس الأحلام ؟ ! لأنّه أجلّ من أن تحدّه ألباب البشر بالتفكير ، أو تحيط به الملائكة - على قربهم من ملكوت عزته - بتقدير . تعالى عن أن يكون له كفؤ فيشبه به ؛ لأنّه اللطيف الذي إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب ملكه ، وحاولت الفكر المبرّأة من خطر الوسواس إدراك علم ذاته ، وتولّهت القلوب إليه لتحوي منه مكيّفا في صفاته ، وغمضت « 1 » مداخل العقول في حيث « 2 » لا تبلغه الصفات لتنال علم إلهيّته : ردعت خاسئة - وهي تجوب مهاويّ « 3 » سدف « 4 » الغيوب متخلّصة إليه سبحانه . رجعت - إذ جبهت « 5 » - معترفة بأنّه لا ينال بحور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولي الرويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته ، لبعده من أن يكون في قوى المحدودين ، لأنّه خلاف خلقه ، فلا شبه له في المخلوقين ، وإنّما يشبّه الشيء بعديله ؛ فأمّا ما لا عديل له فكيف يشبّه بغير مثاله ؟ ! وهو البديء الذي لم يكن شيء قبله ، والآخر الذي ليس شيء بعده ؛ لا تناله الأبصار من مجد جبروته - إذ حجبها بحجب لا تنفذ في ثخن كثافته ، ولا تخرق إلى ذي العرش متانة خصائص ستره « 6 » ؛ إنّه الذي صدرت
--> ( 1 ) أي لطفت ودقّت . هامش ر : غمض في الأرض يغمض ويغمض : ذهب وسار - ق . ( 2 ) ر ن خ : من حيث . ( 3 ) هامش ر : الجوب : الخرق . كالاجتياب والقطع . مهاوي : جمع مهواة ، وهي الفرجة بين الجبلين - ق . ( 4 ) هامش ر : السدفة - ويضم - : الظلمة تميمية ، والضوء قيسية ، ضد ، أو سميا باسم ، لأن كلا يأتي على الآخر كالسدف محركة ، أو اختلاط الضوء والظلمة معا ، كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الاسفار والطائفة من الليل - ق . ( 5 ) هامش ر : جبهه - كمنعه - : ضرب جبهته ورده أو لقيه بما يكره - ق . ( 6 ) مل : سره . المصدر : ستراته . ( بدلا من : ستره انه ) .